لاإنساني.. لول

في ظل الأوضاع الراهنة و البعابيص القائمة, تتكرر العديد من مصطلحات و تبريرات العبيد, منها ما هو مفيد و منها ما هو زخخرا. إحدى هذه الجمل الاستنكارية و التعجبية تأتي على صيغة “هذا العمل اللاإنساني” أو “الإنسانية تلفظ هؤلاء الشريرين الحيوانين شذاذ الأفاق” و الذي منه. حقيقة انا شخصيا لم انتبه لتفاهة هذه الجملة لولا أنني رأيت تعليقا من بعض التُفّه. آتى بصيغة “الإنسانية فوق الأديان” أو شيء من هزا القبيل. و سألت و تساءلت و وجدت إجابة أردت و أريد نشرها هنا معَك أور معِك

سأتسلسل و أتسلل في الفرضيات و الحجج لأقض مضجع “الإنسانية” التي نتغنى بها. و سأبدأ من نهاية الفقرة السابقة و جملة “الإنسانية فوق الأديان” . و أود من هنا و الآن أن أحذر ضعاف القلوب و العقول من الإكمال لأن السخرية تخضع لقانون بو عن الترلل و الذي ينص بشكل عام على أنه “دون توضيح عن حس الفكاهة يمكن لأي سخرية من تطرف أن تفهم على أنها تطرف فعلي”. و هنا ستشوش الخطوط بين ما أريد أن أسخر منه و ما لا أريد أن أدوس طرفه. و حتى لا يساء الفهم فانا لا أحاول إلقاء طرفة عن التطرف لأن التطرف هو أمر نسبي و يعتمد على الأطراف المتطرفة

فلنفرض أن العالم وجد بالصدفة كما يظن البعض, عقيدة “في قديم الزمان لم يكن و فوجأة كان” لذا نحن على أفضل تقدير نتيجة عشوائية جينية و ظروف طبيعية –من الطبيعة- و الخط بين البشر و الحيوانات ليس بذاك الوضوح و هو موجود في الكراريس لا على التضاريس. و لكن الحيوانات تأكل بعضها و تغتصب بعضها و تمارس الشذوذ أيضا في بعض الأحيان. لماذا نستغرب إذا إن قام أي من البشر بهذه الأفعال؟ الشيء الغريب الوحيد في هذا السيناريو هو أن الإنسان يتفرد بوحشيته, فأجدادنا من قردة و خنازير تفعل ما تفعل من باب البقاء. نحن المميزون لأننا نعذب و نتلذذ بمعاناة بعضنا البعض, نحن الوحيدون الذين نتفنن في القتل و التشنيع. لذا ما فائدة وصف أي عمل بأنه “لا إنساني”. يبدو أن العكس هو الأصح, إذا رأينا أسرى يعذبون فعلينا أن نشهق و نضع أيدينا على أفواهنا و نهمس “هذا العمل إنساني”. أما بخصوص جملة الإنسانية فوق الأديان على سبيل المثال فهي مضحكة هنا لأن الأديان ليست سوى اختراع بشري و بالتالي الخير و الشر و الأخلاق اختراعات بشرية. لذا ما علينا إلا أن نسأل لماذا اخترعناها. فلنقسم قصة جدنا النيانديرثالي الى احتمالين

الأول, وقف رجل يمسك بحجر فوق رجل آخر و كاد أن يكسر عظامه قبل أن يهشم رأسه, صرخ الرجل الثاني و طلب من الأول أن يتوقف. استغرب الرجل الواقف فلا معنى من مسامحة الضعيف أو تركه يعيش. ادعى القاعد أن عدم تهشيم الرأس سيؤدي الى عدم فقدان القبيلة لفرد مما يعني زيادة قوتها. اقتنع الرجل الواقف و لكنه خشي من شيء واحد, الخداع. سأل القاعد ما الذي سيضمن له أنه لن يقتله في طريقهم الى الديار. قال القاعد بأن الواقف أعطاه فرصة للحياة و هو مدين له. و مع هذه القصة نرى بدء أمرين هامين, الأول هو “الإنسانية” و الثاني هو “الإقتصاد”. بالطبع سيبدأ الربا بعد قليل و سيصبح الشخص الذي أعطى أعضاء القبيلة “الأمان” يطلب منهم شيئا أكبر بالمقابل, و بدلا من أن يدفعوا حياتهم لسد الدين فسيدفعون من قيمة حياتهم أو سيقومون بالتضحية بأبنائهم من أجل الزعيم المرابي. كل هذا لا يخصنا, و كيت كيت كيت حتى وجدنا أنفسنا نقرأ مقالة على شاشة كتبها شخص يبعد عنا أميال و أميال. و لكن هذه القصة لسوء الحظ لم تبرر لنا لماذا يمكن أن نعتبر أي شيء “لا انساني”. بداية هذه الجملة كان معتمدا على مصلحة و عقد و فور انتهاء ذاك العقد لا تعني الإنسانية أي شيء

الاحتمال الثاني هو أن الرجل الواقف قبل أن يهشم رأس القاعد شعر بشيء غير مألوف, الرجل القاعد كان خائفا و الرجل الواقف رأى انعكاس خوفه و وضع نفسه مكان القاعد. رمى الحجر جانبا و ساعد أخاه “الإنسان” على الوقوف. و لكن لسوء الحظ لكمه أخوه و أمسك الحجر ذاته و هشم رأسه. و تكررت هذه الحالة مئات المرات قبل أن تصدف أن الرجل المسامَح اجتر شيئا من اللباقة و لم يهشم رأس المسامِح. و من هنا بدأت الإنسانية, من التفكير بمعاناة الآخرين. و لكن هذا العطف هو خيار شخصي, كما أن تهشيم الرؤوس خيار شخصي. و بعد قرون و قرون نجد أشخاصا يقدسون الحرية الشخصية على حساب أي شيء. لذا “الإنسانية” ما زالت لا تعني أكثر من مزاج. تخيل أبا يأكل الفطور, يقبل ابنه ثم يطعن زوجته و يذهب الى عمله. هل لنا أن ننزعج منه و أن نتعدى على حريته الشخصية بطعن زوجته؟ أما من يقول أنه تعدى على حرية زوجته فليتذكر أن العالم وجد بالصدفة و بالتالي الصدف تتكرر, و لا داعي لأن نكثر الكلام لأن الإنسانية ما هي إلا مزاج. الفم فمي و المزاج مزاجي و الي مش عاجبه هاي الحجارة بينا

لم يحالفنا الحظ إذا و ما زالت الإنسانية عقد أو مزاج, فلننتقل الى عقيدة آخرى أكثر انتشارا, تقول بأن الكون لم يكن صدفة و أن إله ما أوجده. هذا الإله هو كل شيء. الحجر و الشجر و الأبقار و السباع, البشريات و الحشرات. كل شيء متصل و كل شيء واحد و الرجل أو المرأة –و لا داعي للتفريق هنا- هم كلهم شيء واحد متصل. السؤال إذا ما هي الإنسانية إذا اتصلت في كل شيء؟ إذا كان الوجود واحد و القاتل و المقتول متصلان فهل هناك معنى لكلمة “قتل”. أحد الأجزاء غير شكل جزء آخر. المقتول سيتحلل و يعود الى دائرة التناسخ الأزلية, و التي لا تفسر من الناحية الرياضية تكاثر البشر و لكن هذا ليس شأننا. الإنسانية إذا هي و الحيونة واحد, نعم في الظاهر هي مميزة عند الإنسان و لكن كل المظاهر ما هي إلا سراب لأن كل شيء متصل. فلا ضير في الذبح و القتل و التعذيب, إن أخطأنا في هذه الحياة سنعود الى حياة سيئة, و سنحاول مجددا, و إن أخطأنا في تلك سنعود أيضا و نجرب مرات و مرات. و إن انتهى عدد المحاولات فلا مشكلة, فقد تسلينا بما فيه الكفاية في الكم الهائل من الحياة. و إن عنى هذا أننا سنعذب فهذا طبيعي لأننا عذبنا و بالتالي المقايضة الكارماوية تمت. كل ما علينا أن نسأله في هذه الحالة هو أننا لو كنا مستضعفين في هذه الحياة و صبرنا و عدنا كشخص أفضل, ثم عدنا كشخص أفضل, ثم عدنا كامبراطور لديه كل ما يريد. ما المانع في القليل من اللؤم؟ ألم نعاني بما فيه الكفاية لنصل الى هنا؟ ألا يحق لنا أن نلعب دورنا في التوازن الذي يجبر البعض على فعل الشر. و إلا ما معنى التوازن إن لم يكن هناك ما يكفي من كل نقيض؟

عقد أو مزاج أو ورقة يانصيب. هذا ما آلت إليه الإنسانية حتى الآن, فلنمشي خطوة في سلم المعتقدات و نفكر بوجود آلهة معدودة على أصابع اليد بدلا من عدد لا نهائي من الآلهة لأن كل شيء متصل. فلنقل أنهم خمسة, زيوس و ثور و أفروديت و اللات و إله الروك و الرول. زيوس إله الصواعق و الإغريق طلب من جماعته (الكهربجية و الإغريق) أن يكونوا قمة في الفضائل و هيكا. ما لم يطلبه منهم هو احترام أي شخص يخالفهم بالعقيدة, سقراط كان أكثر رجل غانم في زمانه و قرر المواطنون الأعزاء الحكم عليه بالإعدام بتهمة عدم الإيمان بزيوس و شركاؤه. أفرودايت إلهة الحب و الجمال و العشق و الهيام, ستأمر الحبيبة بأن لا يمسكهم أهاليهم وهم يكنكنون على الهاتف في الليل, و ستأمر الفتيات القبيحات بأن لا يستخدموا الفوتوشوب و أن يتقبلوا قباحتهم و أن لا يقتربوا منها كثيرا. فهي يا دوب طايقيته لهايفيستوس. ثور إله التناحة و الي عقولهم خزق, كان مشغولا بتفتيت الأعداء بشاكوشه و لم يطلب من التنحين شيء. و حتى لو طلب هل ممكن أن نتوقع من التنحين إنهم يردوا؟ على أية حال اللات إحدى الآلهة الإناث التي يقال أنها أصلا كانت رجل ببيع حليب و قاعد على صخرة, و عندما مات قالوا أنه دخل الى الحجر و عبدته ثقيف, أو السورية جابوها معهم. و لكن بدل أن يقول الأعراب “أباي السورية كيف أكلوا البلد” قالوا “إله من حجر؟ بيجي فيها”. أما إله الروك و الرول فهو يمنح عباده أصابع من حديد و حناجر من فولاذ, و قصات شعر سخيفة للغاية. و قد تخلى عنه الكثيرون لأن البشر قرروا تكرار أغاني البوب التي تتسم بأنها لا تعني شيء و لكنها تكرر بطريقة تغسل الأدمغة. و لكن لا إله للبوب لأنه إلحاد بالإبداع. ما علينا, ما يهمنا هنا هو الإنسانية لا الإبداع. لذا إذا افترضنا أن هؤلاء هم على رؤوس عملهم و أن اتباعهم يعني الوصول الى الحقيقة, السؤال يبقى, أي منهم يعرف ما هي الإنسانية الحقيقية؟ إذا اتفقنا أن كل واحد يملك تصورا عن الإنسانية, ألا يعني هذا أن “الإنسانية” ليست مطلقة و إنما نسبية, و بالتالي يجوز القتل في بعض الأحيان؟ و يجوز السماع للموسيقى المزعجة مرات؟ و يجوز بيع الحليب من فوق صخرة أو إضاءة الغرفة؟ الإنسانية تفرقت و هذا التفرق يعني بالضرورة أن هذه الكلمة لا تتطابق عند البشر من شتى الطوائف. لذا عندما يسمع رجل لموسيقى البلوز قد ينظر رجل روك و رولي نحوه بدهشة و يشهق و يقول “هذا عمل لا إنساني”. و إن قامت فتاة بخيانة زوجها لأنه قبيح, ألن تفرح بها أفروديت و لكن سينظر اليها بنو ثقيف بنوع من الإمتعاض, و سيرتشفون الشنينة و هم يهزون رؤوسهم غير راضين عما يحصل. إن كان الجميع على صواب فهذا يعني أن الجميع على خطأ. و إن كان هناك أرباب مختلفون فذاك يعني أن هناك “إنسانيات” مختلفة, و لا يجوز لنا في عصر التسامح بأن نترك هذا الاختلاف يمزقنا. لذا لا يجوز أن نغضب أو ننزعج عندما يقوم أي شخص بفعل ما يمليه عليه ربه. بغض النظر عما نظن أنه صحيح

الإنسانية حتى الآن هي إما: عقد فوائدي بينثمي, مزاجية عدمية, حظ مقامر هو نفسه الكازينو, أو شظايا تعني أمورا مختلفة لا يجوز جمعها في كلمة واحدة

يبقى الحل الأخير, هو وجود إله واحد. بالطبع كوني مؤمن بهذا لا استطيع السخرية لأن العقل لا يستطيع أن يناقض نفسه, و إن حاولت فلن أكون مضحكا –على افتراض أن محاولتي في قتل الإنسانية أمر مضحك حتى الآن- لذا سأقفز فورا الى كلمة الإنسانية قبل أن أعود

عندما نقول أن العمل إنساني أو لا إنساني نحن نتكلم عن مجموعة من الصفات, هذه الصفات بشكل أساسي هي التسامح و العطف و التعاون. لذا نطلقها على شخص أنقذ قطة أو شارك طعامه القليل مع انسان آخر, و هكذا دواليك. أما عندما نرى مذبحة أو تعذيب أو ما شابه فهذه الصفات قد انتهكت. فيقول البعض, هذا العمل لا إنساني. لكن فكر قليلا بهذه الصفة, من الواضح كل الوضوح أن “انسانا” يقوم بهذا العمل ال”لا إنساني”. ما تفسير هذا؟ بكل بساطة هو ما سلف, هو أن الصفات هي التي نتكلم عنها. هذه الصفات تعرف بأنها جزء من الأخلاق و الفضائل التي تدعو لها الأديان. الأديان الموحدة الثلاثة تدعو الى نفس المجموعة البسيطة من الأخلاق الأساسية, و التي سميناها انسانية لأنها تميز الإنسان عن الوحوش. من الممكن أن نصف الإنسان الذي يقوم بعمل لا إنساني بأنه وحش و لكن هذا التفاف على الصفات. التسامح و العطف و التعاون لا تعني العقل و الوعي, الإنسان البيولوجي يختلف عن الحيوان البيولوجي لكن لا شأن لذلك بهذه الصفات. لماذا إذا أقوم بفصل الشعرة بتوضيح هذا قد تتساءل؟ لكن هذا التساؤل يعني أنك لم تركز في الفقرة الأولى عندما قلت أن الهدف من هذا البحث اللاهوتي عن أصول الأخلاق هو ..البحث عن الأخلاق؟ دقيقة نسيت ما قلته في البداية

اه اوك هسا تذكرت, ” لم انتبه لتفاهة هذه الجملة لولا أنني رأيت تعليقا .. أتى بصيغة “الإنسانية فوق الأديان””. تمام, إذا هذا التفريق وجب عندما يتم الخلط بين الدين و الإنسانية و الأخلاق بسذاجة و عباطة. الدين يحتوي على تشريعات و أخلاق و عقائد. من الأخلاق التسامح و العطف و التعاون أو التآخي. الإنسان يفعل ما يريد فعله في ضمن الإطار الفيزيائي المسموح له, و يتميز عن الكائنات الآخرى بما يسمى “الوعي”. قد تكون هذه الأفعال ضمن إطار الأخلاق و قد لا تكون, و حين لا تكون فلم يتوقف عن كونه إنسانا بقدر توقفه عن كونه إنسان خير أو أخلاقي. لذا في العرف السائد يجوز أن نقول أن العمل “لا إنساني” أو “لا ديني” . و لكن عندما ندمج الصفات و نضرب المنطق بعرض الحائط و نحاول التحذلق فقد نتزحلق الى اللامعنى. كل هذه المقالة لا تعمل كمبرر لأي فعل وحشي, من يظن هذا فلم يفهم ما أحاول قوله. و بكل بساطة ما أحاول قوله هو: الحياة الدنيا تأتي معها الكوارث و المصائب, حرية الاختيار يأتي معه الشر, و لا مشكلة في أن تحزن. الحزن و الشفقة جزء من “الإنسانية”. لذا لن أقول لا تحزن لأنني لا أعرف إن كان الله معنا بمعنى هل نستحق أن يكون معنا بتقصيرنا

 Birth of Venus (detail)

لكنني سأقول إحزن, لكن لا تكن غبيا بحزنك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s