جدوى الجدال

هَب أنك قرأت خبراً أو تعليقاً لم يعجبك على أحد مواقع التواصل الاجتماعي وقمت بالرد عليه، بعد لحظات اهتزّ هاتفك منذراً إياك بتلقي ردٍ على منشورك. لسببٍ ما لم يتفق معك أحدهم ودون التفكير بجدوى الجدال مع غريبٍ لا شأن له في حياتك سارعت بالرد، ثم وجدت نفسك في مناظرة مصغرة يغذيها رتلٌ من التعليقات والتفاعلات من الطرف الآخر وثلة من المتابعين. أغلب الظن انتهى الاشتباك باعتقاد كلا الطرفيَن بأنهما كانا المظفرين في إثبات وجهات نظرهم. بعدها غَدت هذه التجربة قصة ترويها على معارفك على أرض الواقع

لعل كثيراً منا بات يمضي المزيد من الوقت على الإنترنت إثر حصار فيروس الكورونا لحياتنا مما زاد احتمالية وقوعنا في السيناريو المذكور أو مشاهدته يحصل مع من حولنا. ربما تركت هذه التجربة حَرَقة أخذت في الوقت القليل الذي تلاها حيزاً من فِكرنا، مثلاً خطر على بالنا ردٌ مفحم وتمنينا لو يعود بنا الزمن لنلجم الخصم أو قمنا بتبيته لمواجهة مستقبلية، أو حملنا ضغينة إلكترونية كأن ما حصل مشاجرة حقيقية لا تعليقات عابرة في محيط المنشورات على الإنترنت. في هذه المدونة لنتروى قليلاً ونستكشف بعض الأوجه من الاختلاف على الإنترنت، عن جدوى الجدال بشكلٍ عام، كيفية الاختلاف مع بعضنا، سبب اختلاف تصرفاتنا الإنترنتية عن تلك في واقعنا، الفروق في الخلافات عبر الثقافات الإنترنتية

جدوى الجدال

في موضوع الخلافات على الإنترنت حريٌ بنا التركيز على موقع تويتر فهو من أكثر مواقع التواصل الاجتماعي الحاوية للجدالات والنقاشات، يعود ذلك بالدرجة الأولى لتصميمه فهو يتيح مساحة عامة للتعبير عن الآراء دون خصوصية الحسابات على الفيسبوك مثلاً، كما أنه صار في السنوات الماضية منصة شبه رسمية لرؤساء الدول وكبار المسؤولين مما أضاف من الجدية -الظاهرية على الأقل- التي تتسم بها النقاشات عليه. صِغر حجم المنشور أيضاً يساهم في تكثيف النقاشات إذ لا تتطلب التغريدة وقتاً كي نقرأها وكذلك لا تتطلب الردود جهداً مضنياً

أهمية تويتر أيضاً يمكن تميزها من تخصيص المحطات الإخبارية فقرات للحديث عنه عبر نقاش ما كتبه السياسيون أو الاكتفاء بعرض التغريدات. أما بخصوص تؤام العدائية والجدية نستطيع التأكد من ارتفاع منسوبها على تويتر إذ أطلق الموقع خاصية جديدة يحدد فيها المستخدم من يستطيع الرد على تغريداته

ينقسم الموقع بشكلٍ عُرفي إلى مجموعات وفق الاهتمامات أو التوجهات أو الجغرافيا. مثلاً يلقب المهتمون بأغاني البوب الكورية “تويتر الكي بوب”. المصطلح الأشهر لنعت المعجبين المتعصبين لأي مغني أو فرقة موسيقية هو “ستان” تيمناً بأغنية إمينيم التي تروي قصة معجب يضحي بحياته من فرط إعجابه.

في الزوايا السياسية الغربية على تويتر تتقسم المجموعات وفق أيدولوجيات وتوجهات سياسية، سأذكر المزيد عن هذه النقطة في الجزء الأخير من المقالة ولكن للتبسيط يمكن ذكر “تويتر يميني” أو “تويتر يساري” لوصف هذه المجموعات

قد تتشكل المجموعة جغرافياً فيقال “التايم لاين الأردني” للإشارة إلى مجموعة المغردين الأردنيين وتغريداتهم دون الحاجة لأن يكونوا متابعين لبعضهم أو متفقين بالاهتمامات والتوجهات

هذه المجموعات تتقاطع ما لم يكن الحساب مخصصاً لأيٍ منها

تكثر الخلافات على “التايم لاين الأردني” وتتفاوت بحدتها وأهمية الموضوع المتناول، يتصدرها السياسي (نقد الحكومة أو الدفاع عن قراراتها) والاجتماعي (النسوية والدين والعادات). أحياناً تبدأ المصائب من نكتة أو صورة عن طعام وتتصاعد لتتفتق مسائل عنصرية

إن كان هناك شيء متفق عليه مؤخراً فهو الشعور العام بارتفاع درجة العدائية والميل نحو الاستفزاز. هذا الجو أفرز ردوداً مختلفة، منها الترحم على التايم لاين الأردني في وسم “تايملاين الأردني زمان”. كما تكررت أنواعٌ مختلفة من الانسحاب، بعض الحسابات التي كانت تنخرط بالنقاشات توقفت تماماً وبعضها خففت من نشاطها، ربما لتقدم العمر والانشغال ولكن العدائية حتماً تلعب دوراً في تثبيط أولئك الذين لا صبر لهم أو نية بالدخول في جدالات على تويتر. لا أدري إن كان بإمكاني التحدث بالنيابة عن الآخرين لكنني شخصياً أصبحت أتفادى بعض المواضيع الجدلية أو كتابة بعض الآراء بسبب حدة التوتر التويتري دون مردود فكري يستحق الجدال من أجله. لسان الحال يسأل ما إن كانت هناك جدوى للجدال على أي حال؟

إذا أخذنا الجدال بصورته العامة فهو واجب لو أردنا أن نمتحن أفكارنا كي نشذبها ونزيل عنها الزلل. يُحذّر جون ستيوارت ميل في كتابه عن الحرية من تكميم الآراء ويعتبر أنها تضر أولئك الذين يحجبون الأفكار أكثر من أولئك المبشرين بها، فإن كانت الفكرة المحجوبة مصيبة فهم يُفوتون على أنفسهم الأخذ بها وإن كانت خاطئة فهم يخسرون درجة الوضوح الأسمى للفكرة المصيبة الناتجة عن تصادمها مع الفكرة الخاطئة

على الصعيد العملي يمكننا أيضاً استقراء أهمية الآراء على الإنترنت بمراقبة الجهد التي تبذله الحكومات حول العالم في محاولاتها لاختراق المجموعات السياسية وتوجيه الآراء بالأساليب المختلفة، مثل اختراقات إسرائيلية لصفحات غربية يمينية (وبالطبع جني المال عجنب). أحياناً نقع في فخ تسخيف آرائنا كمواطنين لا شأن لنا دون أن نعتبر من الأموال الضخمة التي تضخها الحكومات في وسائل الإعلام والرقابة لتتحكم بما نفكر به وما نقول. على الإنترنت نجد الذباب الإلكتروني وتفعيل المؤثرين وأصحاب الحسابات الكبيرة لبث السردية الرسمية وتحطيم الآراء المخالفة

ما يُمَكننا الإنترنت من فعله بسرعة نقل الأفكار والتواصل المباشر لا سابق تاريخي له، من المخزي لو أننا فرّطنا بهذه الفرصة فقط لأن مشاعرنا اهتزت بسبب آراء معارضة لآرائنا. في الوقت نفسه لا أجد وجوب الرابط بين الحاجة للنقاش للترقي بجدلية الأطروحات وبين العدائية المفرطة فالحقائق المثبتة لا تستفز العقل. ما علينا سوى تذكر تلك الأفكار التي اكتسبناها بنقاشات هادئة مع الأصدقاء أو عند قراءة كتابات لا توجه لنا السُباب كي ندرك ضرورة الجدالات المثرية وأثرها على فهمنا للعالم

أزعم أن هناك جدوى لا جدال فيها من الجدال، حتى وإن لم يكن الإتفاق التام هدفاً علينا أن نفعّل الإنترنت بطريقة مفيدة ونتمكن من الارتقاء بمستوى تبادل الآراء. لفعل ذلك علينا أن نفرق بين الجدال لغاية الوصول إلى منظور فكري أنظف وبين المباطحة الاستعراضية لتسجيل نقاط أمام القبائل الإنترنتية التي ننتمي إليها. لذلك لنأخذ خطوة ما فوق الجدالات بعينها ونتحدث عن أساليب الاختلاف ذاتها وعن طبائعنا على الإنترنت محاولين الوصول لدرجة من الوعي بما نفعل وحِسٍّ من التوجه بدلاً من الانغماس في عدائية عشوائية

كيف نختلف؟

how-to-argue-PG-hierarhy-of-disagrement-infographic

 

في عام 2008 نشر المفكر والمبرمج بول غراهام مدونة بعنوان كيف نختلف رصد فيها الطبيعة الحوارية للإنترنت. يقول غراهام أن الانفصال بين الكتاب والقراء يتلاشى مع الإنترنت ويستبدله مجال لتبادل مباشر للآراء. لم يستغرب غراهام من تكاثر الخلافات بسبب طبيعة التواصل إذ أن الإنترنت يسمح لنا بإدلاء آرائنا دون التواجد وجهاً لوجه مع المتلقي وأن الخلافات تعطي حافزاً أكبر للتعليق من الاتفاق; عند الاتفاق لا يوجد الكثير مما يمكن إضافته من كلام. يقول غراهام أن ازدياد الخلافات لا يعني بالضرورة أنه نابع من ازدياد غضبنا، لكن زيادة الاختلاف قد يزيد من حنقنا ثم يعرض ما يعرف بإسم هرمية غراهام للاختلاف المكون من درجات سبع

يوضح غراهام أن الهدف من الهرمية ليس انتقاء الرابح في النقاش بل توصيف درجات الردود. يُمكّن ذلك المتابع للخلاف التَنبه للألاعيب اللفظية التي قد تعطي انطباعاً زائفاً عن أحقية موقفٍ دون آخر. كما تساعد الهرمية المُختلفين على تجنب الحجج الضعيفة المستخدمة دون وعيٍ في بعض الأحيان. الفائدة الأخيرة التي يذكرها هي التقليل من الغضب المرافق للجدال بأساليب ركيكة وهو ما ترمي إليها هذه المدونة أيضاً

في قاع الهرم نجد المستوى الصِفرِي وهو مستوى الشتيمة: المستوى الأكثر شيوعاً والأقل نفعاً فهو لا ينتقص من حجة الخصم ولا يثبت حجة المتكلم، يوضح غراهام أن الذم المنمق قد يخفي كونه بمستوى الشتيمة لكن تبطين القذاعة لا يزيد من النجاعة. الشتائم تنفع للتنفيس عن الغضب أو المباطحة لكن لا علاقة لها بإقناع الخصم، كيف لنا تقبل أي فكرة إن صاحبتها شتيمة موجهة لنا؟ حتى لو تقبلنا الفكرة على مضض تبقى الشتيمة إضافة تنفرنا من تلك الأفكار

يليه المستوى الأول وهو مستوى الشخصنة: مغالطة الشخصنة  تتفوق على الشتيمة بأنها قد تمس من الصواب جانباً. لو وجدنا تعليقاً من نائبٍ يطالب فيه زيادة رواتب النواب يمكننا الإشارة إلى تحيزه الشخصي. لكن التذكير بأنه نائب لا يتعارض مع حجته فهي قد تحمل صحة حتى لو قالها ناخب

المستوى الثاني هو مستوى الرد على النبرة: في هذا المستوى ننتقل إلى الحديث عن الحجة بدلاً من شخوص الخصوم. “انظروا كيف يتعاطى مع أمر بهذه الأهمية باستخدام الميمز!”. هذا المستوى من الجدال ما زال منخفضاً فهو لا يتعرض لمحتوى الحجة ويكتفي بالاعتراض على النبرة. ينوّه غراهام لأن الحجة قد تكون مصيبة حتى لو قيلت بنبرة ساخرة، وأن الجدية لا تعني بالضرورة الصحة. أعتقد شخصياً أن الجدية في السياق العربي قد تتمثل باستخدام الفصحى في ترهات البسابس أو تواجدها على موقع إخباري بدلاً من مدونة. قد يطغى الأسلوب على المحتوى وربما ننخدع بقناع الرسمية. لكن على أي حال، الأسلوب المستخدم ما لم يكن في كلامٍ عن الكلام لا يؤثر في فحوى الحجة

المستوى الثالث هو مستوى المناقضة: هنا نبدأ بالتعليق على الحجة ذاتها، لكننا نكتفي بطرح وجهة النظر المناقضة لوجهة نظر الخصم. “لا يزم كيف إجراءات الحكومة مش موفقة، بالعكس إجراءات الحكومة مناسبة جداً”. بالنسبة لغراهام، المناقضة قد لا تكون موفقة دوماً لكنها مناسبة في بعض الأحيان إذ أن صياغة الطرح المعاكس قد تكفي لنرى صوابه. تمثيل مسلي لهذا المستوى نجده في مشهد من مسلسل مونتي بايثون المشهور عن عيادة للجدال

المستوى الرابع هو مستوى الحجة الضديّة: أخيراً نصل مستويات الردود المقنعة، الحجة الضديّة ترد على محتوى الحجة الأصلية بقياس منطقي أو باستخدام الأدلة. يحذر غراهام من حادثة تتكرر عند استخدام الحجج الضدية على الإنترنت وهي عدم الرد على الحجة الأصلية وإنما على حجة قريبة منها تختلف اختلافاً بسيطاً لينتهي مطاف الجدال بشخصين يتحدثان عن أمرين مختلفين دون إدراكهم بذلك. أو ما يمكن تسميته بمغالطة رجل القش، من الجدير بالذكر هنا أن الإطلاع على المغالطات المنطقية يفيد في قياس سلامة الحجج الضدية بشكل عام

المستوى الخامس هو مستوى التفنيد: هنا يبيّن الشخص تماماً أين وقع الخصم بالخطأ ويكشف ذاك الخطأ، في العادة يتم اقتباس الجزء الذي يسعى الخصم لتفنيده لكن غراهام يقول أن الاقتباس بحد ذاته لا يعني التفنيد، هناك من يقتبس الشخص أو يشير إلى جزء من حجته لكنه ينحدر إلى المستويات السابقة من الجدال بعد ذلك. كما أن الأخطاء التي يمكن كشفها قد تكون جانبية، مثلاً الإشارة لأخطاء بالإملاء والنحو أو معلومات مثل استخدام اسمٍ أو تاريخٍ خاطئ  لا تنفي الحجة المركزية. أحد أسباب ارتفاع مستوى العدائية على تويتر -في رأيي- هو إضافة خاصية اقتباس التغريدات مما يتيح لنا عرض رأينا على المتابعين بدلاً من تواري الرأي في الردود على التغريدة

المستوى السادس هو مستوى دحض النقطة المركزية: تقوم الحجج على مقدمات ونقاط أساسية، خير طريقٍ لدحض الحجة هو تعيين الأعمدة التي تقوم عليها ونقضها بشكل مباشر بدلاً من تفنيد نقاطٍ ثانوية أو الانحدار في درك المستويات المذكورة

هرمية غراهام للاختلاف تتصاعد في قيمة الحجج ومثل الهرم يضيق تكرارها كلما اقتربنا من القمة، معظم ما نجده على الإنترنت لا يرتقي عن المستويات الأولية ويكتفي بالقعر من الشتائم والشخصنة. هذا التدني في مستوى النقاش يختلف كثيراً عن النقاشات على أرض الواقع. هل هناك سببٌ يختص بالإنترنت ليفسر هذه المفارقة؟

 

إطلاق العنان على الإنترنت

successful-troll-is-successful

أحد المصطلحات التي قد تفيدنا هي “أثر إطلاق العنان الإنترنتي”  قد يتجلى هذا بصورة حميدة أو خبيثة. يسمح الإنترنت لنا بأن نعبر عن أنفسنا بطريقة قد لا يسمح لنا الواقع بفعلها، التحدث عن المشاعر والأحلام والمخاوف دون قيود الواقع يعتبر من النوع الحميد فهو يتيح لنا اكتشاف أنفسنا وتطوير ذواتنا. بل قد ننسى أنفسنا ونفصح أكثر من اللازم في بعض الأحيان

الجانب الخبيث من إطلاق العنان يأتي بالعدائية التي نشهدها على مواقع التواصل الاجتماعي ويفسر ما تتحدث عنه هذه المقالة. الخبث يأتي من محاولة لتفريغ العواطف السلبية على الإنترنت دون مواجهة العواقب ودون السعي وراء تحسين أنفسنا. كما أن الطبيعة العدائية في بعض المواقع أصبحت تُجازى بتفاعلات مثل الإعجابات وإعادة التغريد على تويتر. يمكن لأي شخص يسعى لشهرة رخيصة الاعتماد على السلبية في حصد الدوبامين، كما أن الانجراف – بوعيٍ أو بدون- مع العدائية سهلٌ إذا باتت العُرفَ على الموقع الذي نزور

هذا الأثر ينبع من عدة عوامل قد يفيدنا الإطلاع على ما ذكر منها في ورقة جون سولر عن هذا الموضوع. أولها وأكثرها بدهية هي إنفصالية الحالة المجهولة  لو أسمينا المعلومات الشخصية التي تشير إلى أنفسنا على أرض الواقع “المؤشرات التعريفية” مثل الاسم الحقيقي، الصور الشخصية، مكان العيش، الوظيفة، دائرة علاقاتنا الواقعية من أقارب وأصدقاء نَجِد أن هذه المؤشرات تتفاوت من موقعٍ لآخر، لذا لفهم إنفصالية الحالة المجهولة علينا أن نفكر بالمواقع التي تسمح لنا بعدم الإفصاح عن العديد من هذه المؤشرات. ما يظهر للآخرين اسمٌ مستعار أو صورة لا تُظهِر وجوهنا، كأشخاص مجهولين نستطيع الفصل بين حياتنا الشخصية وبين عواقب أو أوزار تصرفاتنا وكلماتنا على الإنترنت

يمكننا ملاحظة ازدياد العدائية مع انخفاض المؤشرات التعريفية، مثلاً الفيسبوك كونه مساحة تربط بين المعارف على أرض الواقع لن يكون بعدائية تويتر الذي لا يتطلب نفس الدرجة من التعريف، اللينكد إن بسبب أهميته للبحث عن وظيفة يعني -نظرياً- أننا سنسعى لإبراز صورة مهنية، أقول نظرياً لأن بعض الحسابات هناك تقوم بِفَسبَكَته. كل مواقع التواصل الاجتماعي ستكون أقل عدائية من المواقع التي لا تتطلب أي مؤشرٍ تعريفي مثل بعض المنتديات أو أقسام التعليقات على مواقع إخبارية أو اليوتيوب

العامل الثاني هو عامل الخفاء: الطبيعة النصية للإنترنت تسمح لنا بالتحرك بين المواقع والكتابة دون أن يرانا الآخرون مباشرة، لا داعي لأن نقلق بهيئتنا أو صوتنا أثناء الكتابة، كما يختفي الآخرون من مجال نظرنا مما يعني أننا لن نقرأ ردود أفعالهم ونبراتهم بصورة مباشرة. على أرض الواقع قد تثبطنا لغة الجسد لمن هم حولنا لكن على الإنترنت لا يوجد سوى لغة النص والإيموجيز والتي لا ترقى لتعقيد الجسد البشري وبناء على ذلك يسهل إطلاقٌ إنترنتي للعنان. أزعم أن الميمز هي اللغة التي ترأب معظم هذا الصدع في تعبيراتٍ صُوَرية أوضح لردة فعلنا

العامل الثالث هو عامل اللا تزامن: كما يمحي الإنترنت الضرورة للتواجد شخصياً عند التواصل يمحي أيضاً الضرورة الزمانية لكتابة الردود والتعليقات بشكل مباشر. في ورقة جون سولر يذكر أن المحادثات على أرض الواقع بُحكِم الأعراف والسيل المباشر للردود تُثبط بعض الردود التي قد تخطر في البال، أما مع انعدام التزامن تتاح لنا الفرصة بتشكيل الصياغة المناسبة قبل الرد فنطلق العنان لأنفسنا سواء بطريقة حميدة أو خبيثة

أعتقد أن عامل اللا تزامن يمكن استثناؤه عند الحديث عن العدائية في الكثير من الأحيان، هناك ما يشبه قاعدة غير مكتوبة بأننا ملزمون بالرد في نافذة زمنية قصيرة عندما يختلف أحدهم مع ما نقول على الإنترنت، ربما لنتجنب التهمة بأننا أخذنا وقتاً كثيراً للتفكير بالرد المناسب، وربما لشعورنا بضرورة مجابهة الاستفزاز المباشر. أيّاً كان السبب، أرى أن التسرع في الرد على موقع مثل تويتر هو أحد أسباب تدني مستوى النقاش

العامل الرابع هو عامل الاستدماج السولِبسي: الاستدماج في علم النفس هو الاستعارة من المحيط الخارجي بتكرار التصرفات والصفات حولنا ودمجها مع أفكارنا. أما السولبسية فهي نظرة فلسفية تؤكد على وجود الذات والعقل فقط مع الشك بوجود الأشياء والأشخاص في العالم الخارجي أو  بنفي وجودهم كلياً. هذه المصطلحات بحاجة إلى فهم منفصل لكن وَجَب ذكرهم لتوضيح المعاني على حِدة

مع القدرة على التواصل عن بعد يمكننا أن نتعامل مع أشخاص لم نرهم في حياتنا وربما لم نسمع صوتهم أيضاً، الاكتفاء بقراءة ما يكتبه الآخر يجعل العلاقة تتشكل في عقولنا بشكل أساسي. الحدود الواقعية بيننا وبين الأشخاص ستضعضع ولتعويض ذلك نخلق نسخة ذهنية عن الآخرين، نعطيها مؤشرات تعريفية من عندنا لتعبئة الفراغات التعريفية. في الوقت نفسه خارج الإنترنت نخلق سيناريوهات في عقولنا نعبّر فيها عن أفكار ومشاعر قد لا نجرؤ على التصريح عنها على أرض الواقع. الاستدماج السولبسي إذاً هو دخول النسخ الذهنية المتخيلة عن أشخاصٍ حقيقيين إلى حيز المخيلة الذاتية، تلاشي الحدود بين خيالاتنا وبين واقعية وجود الآخرين يؤدي إلى انتقال الجرأة التي نتحلى بها في عقولنا إلى أرض الإنترنت

هنا يمكن الإشارة إلى تجاهلنا لعواقب كلماتنا وآثارها على نفوس الآخرين، مع حالة الاستدماج نتعامل على الإنترنت مع غيرنا كأنه خيالٌ فقط ليس شخصاً حقيقياً له مشاعره وظروفه علينا المسؤولية الودية لمراعاتها

العامل الخامس هو المخيلة الإنفصالية: التفاعل بين الإنفصال عما نكتبه على الإنترنت وبين قوتنا الذهنية على تخيل الشخصيات المختلفة قد يُنتِج حالة من خلق نسخة إنترنتية عن أنفسنا منفصلة عن شخصياتنا على أرض الواقع. يتبادر لذهن البعض أن الإنترنت هو لعبة يستطيعون تركها فور تركهم لأجهزتهم وعودتهم للحياة الواقعية، كأن النسخة الإنترنتية لا تمت لواقعهم بشيء

العامل الأول من الإنفصالية بسبب قلة المؤشرات التعريفية يتقارب مع هذا العامل لكنهما يختلفان في طبيعة الإنفصال، بالحالة المجهولة نُسطح شخصياتنا ونصنع شخصية تمثل جانباً أحادي البعد من شخصيتنا، أما عند استخدام المخيلة للإنفصال نُشكّل شخصية معقدة التضاريس خصوصاً من أجل الإنترنت

العامل السادس هو تدني السلطوية: على أرض الواقع نرى هالة للسلطة وللشخصيات الممثلة لها ونضطر سواء خشية من العقاب أو فقط من الرهبة إلى تثبيط ردودنا وكبح آرائنا في حضرة هذه الشخصيات. العقاب للمسّ بجناب هذه الشخصيات قد ينعدم تماماً على الإنترنت، وحتى لو استثنينا العقاب كلياً يمكننا أن نلاحظ اختفاء الهالة السلطوية

هناك حِسٌّ من السواسية على الإنترنت لا مثيل له على أرض الواقع، حتى بعض المميزات التي تأتي مع الخبرة أو العمر، أو تلك المبنية على تفريق عنصري أو جنسي، كلها تتلاشى على ملعبٍ مستوٍ من التعليقات. بل قد يكون الشخص الأصغر سناً بِحُكم تمكنه من ثقافة الإنترنت ولغة الميمز بسبب إمضاء المزيد من الوقت عليه قادراً على التأثير بشكل أكبر على تفاعلٍ بينه وبين شخصية سلطوية لا قوة له أمامها على أرض الواقع. فلسفة الإنترنت الحرة التي تقتضي تفتيت الحواجز والهرمية الواقعية تساهم في تدني السلطوية

يمكننا فهم هذه النقطة بطريقة أفضل لو ميزنا بين أنواع من السلطة. الإنترنت ينتقص من السلطة المحمولة من أرض الواقع، في المقابل نجد على الكثير من المواقع ثقافاتها وتراتبيتها الخاصة وبالتالي نوع إنترنتي من السلطات. تنشأ فيها أنواعٌ من هذه السلطات المختلفة التي على المستخدمين احترامها. أصحاب الحسابات التي تمتلك عدداً كبيراً من المتابعين قادرون على تسليط متابعيهم على خصومهم، أو قد تصل شهرتهم لدرجة تأثيرهم على أصحاب الموقع مثل تأثير أصحاب قنوات اليوتيوب الكبرى على مصممي الموقع. في مواقع أخرى يتشكل لدى المسؤولين والمبرمجين سلطة لحجب المستخدم وحذف تعليقاته أو فيديوهاته تماماً كما يتمكن المحررون من تحوير المقالات أو حجبها. هناك أيضاً قوانين استخدام لأي موقع ولها سلطتها الإنترنتية على تثبيط ما نود كتابته والمشاركة به. كل ما سبق ذكره يؤدي إلى صورة إنترنتية من تثبيط إطلاق العنان حتى وإن أطلقناه بصورة أكبر مقارنة بالواقع. يمكننا القول أن معظم مواقع الإنترنت تعيد تشكيل مفاهيم السلطة بدلاً من مسحها تماماً

هذه العوامل لا تعمل بنفس الطريقة عند الجميع، يختلف الأمر من شخصٍ لآخر وفقاً لمزاجه وأفكاره وشخصيته على أرض الواقع. أُدرك أن بعض ما ذُكر من العوامل قد يبدو غريباً للكثير من مستخدمي الإنترنت من العرب، ويعود ذلك لأن المواقع التي نزورها بالمعظم هي المواقع التي تتطلب درجة عالية من المؤشرات التعريفية مثل الفيسبوك. من ملاحظة شخصية وجدت أن بعض المستخدمين العرب الذين يزورون تلك المواقع التي لا تتطلب المؤشرات التعريفية يتصرفون بطريقة مختلفة عن العجم. الجانب الثقافي أيضاً يؤثر على درجات إطلاق العنان الممكنة، وهو جانبٌ يستحق الدراسة بلا شك

الشِت بوستنغ بالعربي

+_c4fcad50ba54c4fdf3bc3d06037afbd3

 

كلمة دراسة أثقل مما سأورده هنا، سأكتفي بذكر بعض الملاحظات الشخصية التي أدعو القارئ لأخذها بعين الاعتبار، وإن كان هناك مهتم بدراستها لا مانع لدي بتعاون كي أنقل الملاحظات من مستوى فردي إلى مستوى بحثي

ذكرت في مطلع المقالة الجماعات المختلفة المكونة عُرفياً على تويتر. إحدى الملاحظات التي ستشهدها مباشرة عند متابعة حسابات سياسية غربية هو الحيوية واتضاح الهويات مقارنة بالحسابات العربية. تتفرع في الأوساط الغربية السياسية مجموعات تمثل وجهات نظرٍ مختلفة وتسمي نفسها تباعاً، الحيوية في التوجهات السياسية في الدول الغربية وسهولة سك المصطلحات في الإنجليزية عاملان يسمحان لتفرعات أكثر في التسميات والتوجهات السياسية. أما على الصعيد العربي يصعب تتبع هذه التقسيمات لانعدام النية لدراستها حقاً، أو لوجود خلل أعمق عند المثقفين العرب في فهم المحيط السياسي المحلي المعاصر. خلل أعزوه لثلاث مشاكل أساسية موجودة عند المثقفين أنفسهم: ازدواجية اللغة، المجاملة الفكرية، معانقة الأفكار بدلاً من النأي المنهجي عنها. هذه المشاكل تغذي الامتناع التصنيفي وبناء فكري (بناء ميمي؟)، مما يغذي بشكل رجعي حَلَقة مصمتة من الحماقة الثقافية ويسهل الطريق أمام أشباه المفكرين لخداع أنفسهم وغيرهم. التكاسل يُغطَى بالعادة بأعذار عن التعقيد كأنما الواقع العربي مع اضمحلال الوعي السياسي فيه أعصى على الفهم من نظيره الغربي. لكن كي لا أضع اللوم كله على المثقفين المتكاسلين أو الأغبى من تشخيص المصاعب السياسية والثقافية أو المصابين بعقم عند تقديم الحلول وتشكيل التوجهات الفكرية أو المكتفين بعبارات شعبوية أو أيدولوجية غابرة أو المقتصرين على مَنَطقة الميكافيليات السياسية التي يتبعون لها. كي لا أضع اللوم كله عليهم سأُذَكر بفارق التنوع الحزبي المعاصر والتاريخي بين الشرق والغرب. هناك فروقات مثل علو سقف الحرية الغربي للتعبير (هذا خارج عن يد المفكرين). تقدم الجهود الأكاديمية في المؤسسات الغربية (نوعاً ما يخرج عن يد المفكر من ناحية الدعم الاقتصادي). تعمق المقالات والأطروحات في الكتابات الغربية (المقالات والأفكار المعروضة فيها في المواقع العربية تُكتَب في الغالب لقارئ مفترضٌ جهله تماماً، لا يوجد حد أدنى مفترض من الفكر لقارئ إذ لا أساسيات مُصنفة كي نقيس بها مدى تثقف الشخص (مرة ثانية نعود لمشاكل التصنيف المذكورة، لولا التصنيف وتسلسل الأفكار بوضوح يصعب تدرج المثقفين في مسالك تأسيسية تجمعهم قبل التفرق في أعالي الفكر الفلسفي. البداية من الصفر في كل مرة يعني عدم ارتفاع الأبراج الفكرية). هذه المسألة تختلف من صحيفة لأخرى لكنني حتى الآن لم أجد مواقع متقدمة فكرياً تولد نقاشات من طراز ثقيل، ما ستلقاه لو أشغلت عقلك بالبحث عن موازٍ لما عند العلوج هو نوعٌ من حساء فكري تنغمس أجزاؤه وتنصبغ بلون واحد ومحاولات فردية لا تتصل فيما بينها بشكل عفوي، هذا لا ينفي التنوع بالضرورة لكن كيف لنا أن نجزم بالتنوع أو التعقيد دون تصنيف وتفصيل؟

لكن لحظة، أليس هذا الجزء عن الشت بوستنغ؟ طبعاً. أولاً ماذا لو كانت الفقرة السابقة شت بوستنغ؟ لا داعي لتفكيكها لنكتفي بما يبرز أمامنا من براز غير مسمى. “الشِت” في الشت بوستنغ. الشت بوستنغ مصطلح يعني بصورته العامة محتوى يهدف إلى الخداع وتشويش النقاش والاستفزاز، هو أسلوب من السخافة والعدائية الخافية لعدم جديتها في بعض الأحيان وفي أحايين تخفي جديتها بإدعاءات دعابية. هناك الكثير مما يمكن قوله عن ارتباط الميمز بالتهكم وابتدائها واستمراريتها مع درجة لا يستهان بها من العدائية. تدني السلطوية المذكور في الجزء السابق ظلٌ لاختفاء القدسية في الفضاء الإنترنتي، كل ما تؤمن به عرضة للضرب بعرض الحائط هنا على الإنترنت

القيادة في هذا الفضاء تتطلب قساوة في الدرع الفكري والعاطفي، هذه القساوة ليست طبيعية للإنسان على أرض الواقع. إحمل هذه الفكرة في عقلك ودعنا نزور الجانب الجالد للذات في الفقرة السابقة. جوقة المتباكين على المنسلخين عن جلودهم العربية تفضح هشاشة الدروع الفكرية والعاطفية لديهم. في سياق الحديث عن الإنترنت وبعد تخطي الأساسيات عن الفجوة العسكرية والاقتصادية على أرض الواقع وعن الاستشراق والتدخل الحكومي والاستخباراتي وبعد فقرة نتف ريش أشباه المثقفين، بعد تخطي كل ذلك وفقط بعد تخطي كل ذلك يمكننا الوصول للسياق الإنترنتي المحض ومساءلة المستخدمين العاديين. ما المانع من درجة متقدمة من شِت بوستنغ عربي أصيل؟ عُد بضع أسطرٍ لتجد الإجابة الأولية، الغربي لغايات ساخرة وجدية استطاع من التعري من المؤشرات التعريفية. المانع الإنترنتي من الحيوية الفكرية والفكاهية على المواقع العربية هو عدم قدرتنا على خلع شخصياتنا الحقيقية، أي عدم مغازلة حالة الانفصال الخيالية التي تمنحنا ذاك الدرع وتلك القساوة كي نعرض الأفكار ونتلقاها من أجلها لا من أجلنا، أن نلقي الدعابة ونعبر عن إعجابنا بدعابات الآخرين من أجل الفكاهة لا لمآرب أخرى

الآن لنلاحظ الآتي، لدى الكثيرين على تويتر حسابات ثانية مقفولة يعبّر الشخص فيها عن أفكار لا يصرح بها على الحساب العام. والآن تخيل معي لو أن تلك الحسابات بدلاً من أن تقفل كانت عامة لكنها بشخصيات مستعارة دون مؤشرات تعريفية، مع وضع هذه الدرجة الواحدة من الانفصال نسمح لأنفسنا بالتعبير دون أن نتأذى من الشتائم، أن نقارع الأفكار دون خشية العواقب. بين الحسابات المجهولة لا قواعد سوى قاعدة واحدة وهي عدم كشف الشخص الحقيقي وراء أي من هذه الحسابات. هذا الكشف المعروف بالإنجليزية بالدوكسنغ (أي كشف المعلومات الشخصية) هو من أقبح القبائح في الفقه الإنترنتي. ما حصل مع الحساب المعروف بشويفتي من أسوأ ما حصل في ثقافة الحسابات المجهولة حتى لو اختلفت معه أو لم يعجبك محتواه. أنا أفترض أن القارئ أذكى من أن يفترض أنني أدافع عن حسابات مجهولة فقط لغايات المضايقة أو التحرش أو الوصاية على الحسابات المُعرفة. ما أتحدث عنه هو حسابات تضحي بالتعريف عن نفسها في مقابل تقديم محتوى فكاهي أو فكري مميز لا يمكن تقديمه دون اللثام الافتراضي, لا تلك المجهولة خوفاً

في الوقت ذاته أدرك تماماً أن الكثير أو حتى معظم الناس لا وقت لهم ولا قدرة للانفصال بهذه الطريقة. وأعتقد أن فضاء الحسابات المجهولة المذكورة في الفقرة السابقة يجب ألا تختلط كثيراً مع الحسابات المُعرفة لأنهما ينتميان إلى كواكب مختلفة في الفضاء الإنترنتي. الفضاء للحسابات المجهولة يجب أن لا يمتزج بشكل كامل مع الحسابات المُعرّفة، لا بد من برزخ عُرفي. مع ضمان هذا البرزخ نستطيع الاستفادة بأقصى درجة مما يتيحه الإنترنت لنا من حرية، نستطيع التعرف على أولئك المثيرين للاهتمام بشكل شخصي وفي الوقت نفسه نستطيع الاستفادة من الفكر والفكاهة التي لا ترى النور سوى من وراء حجاب تعريفي. ربما هنالك فروق ثقافية أو عرقية شاسعة بيننا وبين الغرب؟ المضحك هو أن الحسابات المُعرّفة العربية دوماً تجابه هذه الفكرة بكل الحجج لكن وقت التطبيق لا يستطيع أي شخص صادق بملاحظاته ومتقن للغات مختلفة من تجاهل الفروق الجلية، كل ما عليه فعله هو تجاهل المتباكين والتركيز على ضحالة أفكارهم التي يدعوك لاعتناقها كي تثبت لهم أنك لم تنسلخ عن جلدك

لنفترض أن الفرق هو ليس فرقاً تفضيلياً، لا أنكر الجوانب المظلمة التي تتولد من والتي تولد الحاجة للانفصال الافتراضي في الزوايا الغربية من الإنترنت. لنرفض الحاجة لحسابات مجهولة، لكن كيف لنا أن نحصد ثمار هذا الإنترنت دون استخدام الخفاء والانفصال المتاح في هذا الفضاء؟ حسناً، يمكننا البدء بهذه المقالة، لو أردنا أن نكشف أنفسنا ونحمل كل المؤشرات التعريفية معنا في الإنترنت علينا أن نحمل أيضاً من أرض الواقع الأعراف التي تتولد بشكل طبيعي عند أي جماعة تحاول التعايش بسلمية مع بعضها. لكن السلمية الجسدية مكفولة بالابتعاد الجغرافي وبالتالي على الإنترنت السلمية بين الحسابات المعرفة يجب أن تقوم على عدم التهديد بقوانين الجرائم الإكترونية والأهم من ذلك عدم الخوض في الدرجات المنحطة من النقاش مثل الشتائم والشخصنة. ما المانع من دعم وجهات نظرنا بالأدلة والمقالات؟ حتى لو أردنا أن نتفاكه فلنفعل ذلك بالميمز بدلاً من الشتائم النصية

يجب الموازنة بين السلمية وبين ضرورة جني الثمار الإنترنتية (سَمِّها الفِكروفكاهية أو المعلوماترفيهية)

الاختيار كما أراه هو بين الخيارات الآتية، إما أن تتكاثر الحسابات المجهولة وأن نجعل بينها وبين المُعرّفة برزخ كفيل بحمايتنا على أرض الواقع من تبعات ما نكتبه هنا. أو أن نرفض الحسابات المجهولة تماماً ونحاول أن نخلق أعرافاً لتعايش يتسم بما يكفي من السلمية كي نستفيد مما يقدمه الإنترنت. كيف تتشكل هذه الأعراف؟ بعضها يأتي بصورة طبيعية نتيجة تقاطع العوامل، بعضها يُفرض من السلطات (الواقعية والمواقعية) وبعضها علينا أن نصنعه بأيدينا ونعرضه بمقالات كهذه التي بين يديك. أي أننا يجب أن نستغل ما تقدمه المواقع المختلفة لعرض أفكارنا على المستوى الأرضي لنا كمواطنين بعيداً عن المنافذ الرسمية أو شبه الرسمية، أن نكتب مدونات أو نعمل فيديوهات ونعرض الأفكار بصورة معمقة كي نتقدم في الجدالات ونصل إلى النتائج، حتى لو لم نتفق علينا أن نتفق على الاختلاف ونتمايز في الأفكار ونوضح معالم التوجهات

ما يميز الإنسان عن الحيوان وعيه بذاته، لذا الخطوة المنطقية القادمة للمجموعة هي وعيها بذاتها كمجموعة بدلاً من التعلق بحساباتنا الشخصية كأفراد متفرقين. إن لم نفعل سنبقى عالقين في حلقة مكررة من الهوش التي ترفع الضغط دون أن تعطي نتيجة مقابل المشاعر السلبية المبذولة

أخيراً وليس آخراً، لنتيقظ من فخ اعتبار تصرفاتنا على الإنترنت هي بطريقة ما التعبير الحقيقي عن ذواتنا، لا داعي لوصم تصرفاتنا على أرض الواقع بالزَيِف. يرى جون سولر أن تصرفنا على موقعٍ وإن اختلف عن تصرفنا في الواقع فما هما سوى جانبين مختلفين من شخصياتنا، الشخص المنطلق على الإنترنت والخجول على أرض الواقع هو الشخص ذاته يتصرف بطرق تختلف وفق السياقات

أعتقد أن التباين في تصرفاتنا بين المواقع المختلفة بحد ذاته يكشف لنا تأثير السياق الإنترنتي علينا، بدلاً من أن نبحث عن الذات الحقيقية بين الفيسبوك وتويتر، وعلى تويتر بين الحساب المعرف والمجهول، علينا ألا ننسى دور التكنولوجيا التي نستخدمها وآثارها علينا وما تتيحه لنا. لا داعي للمبالغة بالملامة وجلد الذات الإنسانية مع تجاهل الأدوات التكنولوجية التي تتيح لنا ما لا يتيحه لنا الواقع. القدرة على الجدال دون عاقبة، المواقع التي لا تحصر عدد الكلمات المسموحة مما يؤثر على قيمة الجدال، المزاج العام في الموقع، حتى توقيت الكتابة. كل ذلك يؤثر على ما يمكننا فعله مما ينفي أو يقلل من احتمالية كونه إشارة إلى ذاتٍ حقيقية. لو وضعنا صائماً أمام بوفية فيه ما لذ وطاب وتركناه لساعاتٍ وساعات قبل الأذان، هل يعني استسلامه للشهوة بالضرورة أن ذاته الحقيقية خطاءة، ما الذي يفعله الصائم أمام البوفية أصلاً؟ والسؤال الأهم، لو أتيح لنا بوفية فكروفكاهي، لماذا نترفع عن التهام كل ما هو أمامنا فقط كي نبهر بعضنا بشخصيات زائلة بغيابها عن وعينا الافتراضي من تبويب الإشعارات

 

تقبلوا مروري